أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
297
شرح مقامات الحريري
المؤمنين ، إنّي تفكّرت في أمرك ، مع سعة ملكك ، وقد ملكتك امرأة واحدة ، إن مرضت مرضت لمرضها ، وإن غابت غبت ، وحرمت نفسك التلذّذ بالجواري ومعرفة جلالتهنّ ، فإنّ منهنّ الطويلة الغيداء ، والفضة البيضاء ، والعقيقة الأدماء ، والرقيقة السّمراء ، والبربرية العجزاء ، يفتن بمحادثتهنّ . ونأتك عن بنات الأحرار والنّظر إليهنّ ، ولو رأت الطويلة البيضاء ، والسمراء العيناء ، والبيضاء العجزاء ، والمولدات من البصريات والكوفيات ذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة ، والأوساط المخصّرة والأصداغ المزرنقة ، والعيون المكحلة ، والثديّ المحقّقة ، وحسن زينتهنّ وشكلهنّ ، لرأيت شكلا حسنا ، فقال له : ويحك يا خالد ! ما سلك مسامعي واللّه كلام أحسن مما سمعت منك . فانصرف وبقي أبو العباس متفكّرا . فدخلت عليه أم سلمة فرأته ، مغموما فقالت له : إني لأنكرك يا أمير المؤمنين ، هل أتاك خبر فارتعت له ؟ قال : لا ، قال : فما قصّتك ، فزوى وجهه عنها ، فلم تزل به حتى أخبرها ، قالت : فما قلت لابن الفاعلة ؟ قال : سبحان اللّه ! ينصحني وتشتمينه ! فخرجت مغضبة ، وأرسلت إليه جماعة من العبيد ، وبأيديهم مقامع من حديد ، وأمرتهم ألّا يتركوا من خالد عضوا صحيحا . قال خالد : فانصرفت مسرورا لما رأيت من إعجابه بما ألقيت عليه ، ولم أشكّ أنّ صلتي ستأتيني . فإنّي لقاعد على باب داري ، وإذا بالعبيد قد أقبلوا نحوي فلم أشكّ في الجائزة ، فسألوا عنّي فقلت : أنا خالد ، فأهوى أحدهم إليّ بهراوة فوثبت إلى منزلي ، وعلمت أني أتيت من أم سلمة . وطلبني أبو العباس طلبا شديدا ، وأنا مستخف ، فهجم عليّ في الثالث ، فقالوا : أجب أمير المؤمنين . فأيقنت بالموت ، فدخلت عليه وليس في وجهي دم ، فسلّمت وجلست ، وإذا خلف ظهري ستر خلفه حركة فقال لي : يا خالد أين كنت منذ ثلاثة أيام ؟ قلت : عليلا ، قال : إنّك وصفت لي من أخبار النساء والجواري ما لم يخرق مسامعي قطّ شيء أحسن منه ، فأعده عليّ ، قلت : نعم أعلمتك يا أمير المؤمنين أنّ العرب اشتقت اسم الضرّة من الضّر ، وإن أحدهم لم يكن عنده أكثر من واحدة إلا كان في جهد قال : ويحك لم يكن هذا في الحديث ! قلت : بلى واللّه ، وأعلمتك أنّ الثلاث من النساء كأثافيّ القدر يغلى عليهنّ . قال أبو العباس : برئت من قرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك في حديثك ، قلت : وأخبرتك أنّ الأربع شؤم مجتمع لصاحبهنّ ، يسقمنه ويهرمنه ويشيّبنه قال : واللّه ما سمعت هذا منك قطّ ! قلت : بلى واللّه يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك ! وتكذّبني ! قلت : وتريد أن تقتلني ! قال : مرّ في حديثك ، قلت : وأخبرتك أنّ أبكار النساء رجال ولكن لا خصى لهنّ ، قال : وسمعت الضّحك من وراء الستر ، قلت : وأخبرتك أن بني مخزوم ريحانة قريش وعندك ريحانة من الريّاحين ، وأنت تطمح إلى غيرها من الإماء ! فقيل لي من وراء الستر : صدقت واللّه يا عمّاه وبررت ، وبهذا حدّثته ، ولكنه غيّر وبدّل . فقال لي أبو العباس : ما لك قاتلك اللّه وأخزاك ! وفعل وفعل ! فتركته